اسماعيل بن محمد القونوي

60

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تمثيلا من غير أن يكون للأجزاء مدخل فيه قولهم سال به الخ . حيث شبه حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي فهلك هذا ناظر إلى التمثيل الحقيقي لأن السيل وإهلاكه للناس أمر محقق وليس للوادي عمل في هلاكه ( وطارت به العنقاء إذ طالت غيبته ) شبهت حاله بحال من طارت به العنقاء في طول الغيبة وهذا ناظر إلى التمثيل التخييلي إذ العنقاء ليس له وجود محقق بل مفروض نقل عن الخليل أن العنقاء اسم ملك وتأنيثه « 1 » للنظر إلى لفظ العنقاء فحينئذ لا يكون نظيرا فيما نحن فيه من التمثيل التخييلي لكن هذا ليس المراد هنا وإن ثبت ونقل عن الأزهري عن المنذري عن المغفل عن الكلبي أن بحو إلى الرس جبلا مشهورا بدمخ بفتح الدال وسكون الميم والخاء المعجمة سمكه في السماء قدر ميل وفيه طائر من أحسن الطيور لها عنق طويل لونها مشوب بكل الألوان وكان من عادتها أن تنقض على الطيور « 2 » فتأكلها فجاعت يوما ولم تجد طيرا فانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغرب لأنها تغرب بكل ما أخذته ثم انقضت يوما على جارية قاربت الحلم فذهبت بها فشكوها إلى نبيهم حنظلة بن صفوان فدعا عليها فقال اللهم خذها واقطع نسلها فأصابتها صاعقة فاحترقت فضربت بها العرب مثلا في أشعارهم وأنشد البحتري : أبت دون ذاك الدهر أيام جرمهم * وطارت بذلك العيش عنقاء مغرب وقيل إنها طائرة أغربت في البلاد فبعدت فلم تر بعد ذلك وهذا المعنى يلائم طول الغيبة وما تقدم الإهلاك الكلي قيل أسقط المصنف قول الزمخشري نحو قلوب الأغتام أي الجهال إشارة إلى أنه مع ما بعده وجه واحد لا وجه مستقل ولذا قيل القلوب المقدر ختمها قلوب العقلاء لأنه لا يجوز عند المعتزلة ختم اللّه عليها إلا بطريق الفرض بخلاف قلوب البهائم فالمراد بالأغتام ما أراده بقوله بحال قلوب مقدر ختم اللّه تعالى عليها وإلا فيلزم منع اللّه اللطف عن العبد وهم لا يجوزونه لكن عبارة الزمخشري فيها نوع حزازة كما لا يخفى على الناظر فيها . من حيث إن ليس للوادي فعل وأثر في هلاكه ولا للعنقاء في غيبته وأن الجملتين برأسيهما مضروبتان مثلان للهلاك والغيبة عن الميداني أنه قال الخليل سميت عنقاء لأنه كان في عنقها بيان كالطوق ويقال لطول في عنقها قال الكلبي كان لأهل الرس نبي يقال له حنظلة بن صفوان وكان بأرضهم جبل مصعده ميل وكانت تنتابه طائرة كأعظم ما يكون لها عنق طويل فجاعت ذات يوم واعوزت الطير فانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغرب لأنها تغرب كل ما أخذته ثم انقضت على جارية فشكوا ذلك إلى نبيهم صلوات اللّه عليه فقال اللهم خذها واقطع نسلها فأصابتها صاعقة فاحترقت فضرب بها العرب مثلا وقيل إنها طائرا غربت في البلاد فنأت ولم تر بعد ذلك وهذا يناسب طول الغيبة المضروب له .

--> ( 1 ) إذ أصله تأنيث أعنق أي طويل العنق . ( 2 ) ولها وجه كوجه الإنسان وأجنحة كثيرة وقيل لا حقيقة لها ولم توجد أصلا كالغول .